أحمد بن علي القلقشندي

145

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وهي على ضفّة العاصي مكينة البناء ، ولها سور جليل ، وبيوت ملوكها وشرفاتها مطلة على النهر العاصي ؛ وبها القصور الملوكية ، والدور الأنيقة والجوامع والمساجد والمدارس والرّبط والزوايا والأسواق التي لا تعدم نوعا من الأنواع ؛ وبها قلعة مبنية بالحجارة الملونة ؛ وغالب مبانيها العلية ، وآثار الخير والبرّ الباقية فيها من فواضل نعم الدولة الأيوبية ؛ وبها نواعير مركَّبة على العاصي ، تدور بجريان الماء ، وترفع الماء إلى الدّور السلطانية ودور الأمراء والأكابر والبساتين ؛ وفي بساتينها الغراس الفائق والثمار الغريبة ؛ ولم يكن لها في القديم نباهة ذكر ، وكان الصّيت لحمص دونها ، ثم تنبه ذكرها في الدولة الأتابكية زنكي ؛ فلما آلت إلى ملوك بني أيوب مصّروها ( 1 ) بالأبنية العظيمة ، والقصور الفائقة ، والمساكن الفاخرة ، وتأمير الأمراء ، وتجنيد الأجناد فيها ؛ وعظَّموا أسواقها وزادوا في غراسها ، وجلبوا إليها من أرباب الصنائع كلّ من فاق في فنّه إلى أن كملت محاسنها ، وصارت معدودة من أمهات البلاد وأحاسن الممالك ؛ وهي في غاية رفاهة العيش إلا أنها شديدة الحرّ محجوبة الهواء ، ويعرض لها في الخريف تغير تنسب به إلى الوخامة ، ولا يبقى بها الثلج إلى الصيف كما يبقى في بقية الشام ، وإنما يجلب إليها مما يجاورها ؛ وحولها مروج فيح ممتدّة يكثر فيها مصايد الطير والوحش ؛ وليس بالممالك الشامية بعد دمشق لها نظير ، ولا يدانيها في لطف ذاتها من مجاورتها قريب ولا بعيد . قال في « الروض المعطار » : وبينها وبين حمص أربعون ميلا ، ولم تزل بأيدي بقايا الملوك الأيوبية من جهة صاحب مصر ، يقيم ملوكهم فيها ملكا بعد ملك إلى أن كان بها منهم آخر الأيام الناصرية محمد بن قلاوون المتقدّم ذكره ، واستقرّ فيها بالأمير ( 2 ) طغيتمر الحمويّ : أحد مقدّمي الألوف بالديار المصرية نائبا ؛ واستمرت بأيدي النوّاب يليها مقدّم ألف بعد مقدّم ألف إلى الآن .

--> ( 1 ) أي : بنوها ( الوسيط : 873 ) . ( 2 ) لعل الباء من زيادة الناسخ ، أي : كان بها منهم في تلك الأيام واستقرّ فيها الأمير الخ .